زها حديد.. إنجاز تاريخي في فن العمارة

قبل أن توافيها المنية في الولايات المتحدة، تركت المهندسة المعمارية العراقية زها حديد (1950-2016) بصمات بارزة في عالم الهندسة، حيث باتت مشهورة بلقب «ملكة المنحنيات» بالنظر إلى الطابع الثوري في تصاميمها وتخليها عن الأشكال الهندسية التقليدية.
وقبل نحو سبع سنوات أفردت مجلة نيويوركر بروفايلا طويلا لزها حديد اختارت له عنوان «االمرأة التجريدية»، في إحالة إلى البعد الإبداعي اللافت في أعمالها والذي يجعل منها تحفا فنية تشكيلية أكثر منها منشآت ذات غايات عملية ومؤسساتية.
كانت حديد أشهر امرأة في ذلك المجال الذي ظل في أغلب الأحيان حقلا ذكوريا بامتياز، وهو ما تكلل بحصولها على جائزة بريتزكر عام 2004، وهي بمثابة نوبل للهندسة المعمارية، كما منحتها الملكة إليزابيث الثانية لقب ليدي في 2012، وحصلت الشهر الماضي على الميدالية الذهبية الملكية البريطانية لأعمالها.
زها حديد اقتحمت الفضاء الصيني، وفرضت نفسها هناك بوضع تصاميم لمنشآت مؤسسات وهيئات بارزة. وقد فرضت زها حديد نفسها أيضا في إيطاليا، بلد يعتبر مهد النهضة الأوروبية وموطن كبار الفنانين على مدى التاريخ. وهناك اختيرت شركة زها حديد لوضع تصميم المتحف الوطني لفنون القرن الحادي والعشرين (ماكسي) الذي تم افتتاحه قبل سنوات.
من بين أبرز أعمال الراحلة زها حديد مركز الرياضات المائية في العاصمة البريطانية الذي جرى إنشاؤه ليستضيف دورة الألعاب الأولمبية لندن 2012.
من بين أبرز أعمال الراحلة زها حديد مركز الرياضات المائية في العاصمة البريطانية الذي جرى إنشاؤه ليستضيف دورة الألعاب الأولمبية لندن 2012.
زها حديد اقتحمت أيضا علام الموضة، ووضعت تصاميم كثيرة للأحذية، وشاركت في أعمال بأرقى ملتقيات عالم الموضة في مدينة ميلانو الإيطالية وغيرها. تميزت أعمال زها حديد باتجاه معماري واضح في جميع أعمالها وهو الاتجاه المعروف باسم التفكيكية أو التهديمية، وهو اتجاه ينطوي على تعقيد عال وهندسة غير منتظمة، كما أنها كانت تستخدم الحديد في تصاميمها بحيث يتحمل درجات كبيرة من أحمال الشد والضغط تمكنها من تنفيذ تشكيلات حرة وجريئة.
وقد ظهر هذا الاتجاه في عام 1971، ويُعد من أهم الحركات المعمارية التي ظهرت في القرن العشرين. ويدعو هذا الاتجاه بصفة عامة إلى هدم كل أسس الهندسة الإقليديسة، المنسوبة إلى عالم الرياضيات اليوناني إقليدس، من خلال تفكيك المنشآت إلى أجزاء. ورغم الاختلاف والتناقض القائم بين رواد هذا الاتجاه، إلا أنهم يتفقون في أمر جوهري وهو الاختلاف عن كل ما هو مألوف وتقليدي.
وفقا لتصنيف جينكز لعمارة التفكيك، فإن أعمال زها حديد تقع ضمن الاتجاه البنائي الحديث وقد ارتبط هذا الاتجاه أيضا بأعمال ريم كولاس؛ وتتلخص رؤيتهم للتفكيك قي تحدي الجاذبية الأرضية من خلال الإصرار على الأسقف والكمرات الطائرة، مع التأكيد على ديناميكية التشكيل، حتى أنه أُطلق على أعمال زها حديد اسم التجريد الديناميكي.
الخيال والمثالية هو ما يُميز تصميمات المهندسة زها حديد، والتي يدعي البعض أنها غير قابلة للتنفيذ، حيث أن أبنيتها تقوم على دعامات عجيبة ومائلة، ويؤكد بعض النقاد أن هذه التصميمات تطغى عليها حالة من الصرامة.
بينما فندت عملياً المعمارية العراقية اتهامات بعض النقاد بأنها مهندسة قرطاس، أي يصعب تنفيذ تصميماتها، بعد اكتمال تشييد متحف العلوم في فولفسبيوج شمال ألمانيا، الذي اُفتتح في 2005، والذي يؤكد على أن مقولة مهندسة قرطاس ليس إلا إدعاءًا كاذبًا من معماريين يعيشون مع الماضي؛ لأن كل الذي وضعته على شاشة حاسوبها استطاع الآخرون تنفيذه، كما أورد موقع الشرقية.
وقال أحد النقاد عنها: «جميع تصميماتها في حركة سائبة لا تحددها خطوط عمودية أو أفقية، أنها ليست عمارة المرأة؛ فهي فنانة مرهفة، تُقدم ما تشعر به من تأثير التطور التقني والفني في جميع اتجاهاته في عالم أصبح قرية صغيرة.»
كما أكد أندرياس روبي: «أن مشاريع زها حديد تشبه سفن الفضاء، التي تسبح دون تأثير الجاذبية في فضاء مترامي الأطراف، لا فيها جزء عالٍ ولا منخفض، ولا وجه ولا ظهر، فهي مباني في حركة انسيابية في الفضاء المحيط، ومن مرحلة الفكرة الأولية لمشاريع زها إلى مرحلة التنفيذ؛ تقترب سفينة الفضاء إلى سطح الأرض، وفي استقرارها تُعتبر أكبر عملية مناورة في مجال العمارة». كما وصفها باترك شوماخر بأنها كانت: «صرخة فيما قدمته، منذ عقدين من الزمن، من أعمال في مجالي الرسم أو العمارة.»
حصدت زها حديد العديد من الجوائز، تسنى لها أن تحصل على شهادات تقديرية من أساطين العمارة مثل الياباني كانزو تانك، قفز اسمها إلى مصاف فحول العمارة العالمية. فازت المهندسة العراقية بأرفع جائزة نمساوية عام 2002، حيث حصلت على جائزة الدولة النمساوية للسياحة. واُختيرت زها كرابع أقوى امرأة في العالم في 2010 حسب تصنيف مجلة التايمز. وفي 2016 فازت بجائزة ريبا (الميدالية الذهبية الملكية للعمارة) لعام 2016. وأصبحت المعمارية العراقية زهاء أول إمرأة تحصل على هذه الجائزة التي هي أعلى تكريم يقدمه المعهد الملكي البريطاني اعترافا بالانجاز التاريخي في مجال الهندسة المعمارية.

عن نجلاء بدر

شاهد أيضاً

«التضامن الاجتماعي» تنفذ 5 قوافل تنموية شاملة لدعم طلاب الابتدائي بمشروعات السكن البديل

متابعه – ندا حامد  تلقت الدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، تقريرًا حول جهود حملة …