«مكافحة الإدمان»: الأسرة والمدرسة والإعلام مثلث الحماية الأول في مواجهة المخاطر النفسية والسلوكي
متابعة – ندا حامد
شهدت فعاليات تدشين عيادات المبادرة الرئاسية لدعم الصحة النفسية «صحتك سعادة»، والتي أُقيمت اليوم السبت الموافق 2 مايو 2026، بفندق ويستن بالتجمع الخامس، برعاية وحضور الأستاذ الدكتور خالد عبدالغفار وزير الصحة والسكان، جلسة نقاشية موسعة تناولت عوامل الخطورة وعوامل الحماية المرتبطة بالصحة النفسية والإدمان، ودور المؤسسات المجتمعية في الوقاية والتدخل المبكر، وذلك بحضور قيادات صحية وممثلي الجهات المعنية.
وخلال كلمته، أعرب الدكتور عمرو عثمان مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، عن تقديره للدعوة الكريمة والمشاركة في الفعالية، مؤكدًا وجود شراكة ممتدة ومستمرة بين صندوق مكافحة الإدمان والأمانة العامة للصحة النفسية، مشيرًا إلى أن هذه الشراكة المشتركة أسفرت عن تنفيذ العديد من الأنشطة على أرض الواقع خلال الفترة الماضية، وأن هناك توجهًا واضحًا لمزيد من التعاون خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح أن الحديث عن عوامل الخطورة في ملف الإدمان لا يمكن أن يتم بمعزل عن عوامل الحماية، مشيرًا إلى ضرورة البدء بتحليل عوامل الحماية أولًا ثم الانتقال إلى عوامل الخطورة، وذلك من منظور التخطيط الاستراتيجي الذي يعتمد على تحديد الأطراف الفاعلة الرئيسية.
وبيّن أن هذه الأطراف تتمثل في ثلاثة محاور أساسية هي: الأسرة، والمدرسة، والإعلام، مؤكدًا أن هذه المؤسسات الثلاث تمثل الإطار الرئيسي لفهم السلوكيات المجتمعية سواء من حيث عوامل الحماية أو عوامل الخطورة، وأن تحليل أداء هذه المؤسسات يساعد في تحديد وجود “علامات إنذار مبكر” أو ما وصفه بـ Red Flags.
وأشار إلى نتائج تحليل بيانات الخط الساخن لعلاج الإدمان، والتي أظهرت أن 58% من الحالات التي تعاني من الإدمان يعيشون داخل أسر تتكون من الأب والأم، موضحًا أن هذه النسبة تكشف أن وجود الأسرة بشكل شكلي لا يعني بالضرورة وجود حماية، وإنما الأهم هو جودة التواصل والحوار داخل الأسرة.
وأكد أن بعض التفسيرات الشائعة مثل انفصال الوالدين أو سفر أحدهما لا تمثل بالضرورة عوامل خطورة مباشرة، وإنما الخطر الحقيقي يكمن في غياب التواصل الأسري وضعف الحوار الداخلي داخل الأسرة، مشيرًا إلى أن العديد من الحالات التي تصل إلى الإدمان تمر بفترات طويلة دون أن تلاحظ الأسرة وجود المشكلة.
وأوضح أن هناك حالات تصل إلى سنوات من التعاطي دون أن تدرك الأسرة ذلك، وعند سؤال الأهل تكون الإجابة في كثير من الأحيان أنهم لم يتخيلوا وجود المشكلة من الأساس، وهو ما يعكس ما وصفه بثقافة الإنكار داخل بعض الأسر، والتي تمثل أحد أبرز عوامل الخطورة المجتمعية.
وشدد على أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة العديد من القضايا المجتمعية، وليس فقط الإدمان، بل أيضًا قضايا مثل التطرف والسلوكيات الخطرة، مؤكدًا أنه بدون الأسرة لا يمكن مواجهة هذه التحديات بشكل فعال داخل المجتمع.
وتطرق إلى دراسة حالة تم تنفيذها على 18 طفلًا من مدمني الألعاب الإلكترونية، موضحًا أن نتائج الدراسة أظهرت أن 66% من هؤلاء الأطفال تعرضوا للعنف الأسري، وخاصة العنف البدني، إلى جانب قضاء ما يصل إلى 9 ساعات يوميًا في العالم الافتراضي (Virtual Life)، مع ضعف شديد في التفاعل الأسري الحقيقي.
وأكد أن هذه المؤشرات تمثل علامات خطورة واضحة يمكن من خلالها استنتاج وجود خلل في البيئة الأسرية والسلوكية، سواء على المستوى المعرفي أو السلوكي، مشيرًا إلى أن هذه الظواهر تحتاج إلى تدخل مبكر وليس التعامل معها بعد تفاقمها.
كما أشار إلى أهمية الأنشطة الرياضية والفنية داخل المدارس، موضحًا أن ضعف هذه الأنشطة يمثل أحد عوامل الخطورة التي قد تؤثر على سلوك الأطفال والمراهقين، وأن الإجابة على أسئلة بسيطة حول طبيعة الأنشطة داخل المدرسة يمكن أن تكشف الكثير عن وجود مخاطر من عدمه.
ولفت إلى أن الإعلام يلعب دورًا محوريًا في تشكيل وعي المجتمع، موضحًا أن الشباب يستقون معلوماتهم حول قضايا المخدرات والسلوكيات الخطرة في الغالب من الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يمثل تحديًا كبيرًا نظرًا لصعوبة التحكم في هذا النوع من المحتوى.
وأشار إلى أن الدراما خلال العقد الماضي تضمنت في بعض الأعمال تركيزًا كبيرًا على مشاهد التدخين وتعاطي المخدرات، مع ضعف التركيز على التداعيات السلبية لهذه السلوكيات، مؤكدًا أن الفترة الأخيرة شهدت تحسنًا نسبيًا في هذا الجانب، خاصة خلال الموسم الرمضاني الأخير، إلا أن الأمر ما زال بحاجة إلى مزيد من التطوير والدعم.
وشدد على أن تحليل عوامل الخطورة لا يهدف فقط إلى التشخيص، وإنما إلى بناء منظومة وقائية متكاملة، تعتمد على تعزيز عوامل الحماية داخل الأسرة والمدرسة والإعلام، وربطها بالبرامج الوقائية والتوعوية بشكل عملي.
وأوضح أن الهدف الأساسي من هذا التحليل هو تحويل البيانات والملاحظات إلى سياسات وقائية واضحة يمكن تطبيقها على أرض الواقع، بما يسهم في تقليل معدلات الإدمان والمشكلات السلوكية داخل المجتمع.
وأكد أن العالم لسنوات طويلة كان يعتمد في بناء فلسفة الحماية من المخاطر السلوكية والصحية على الجانب المعرفي فقط، موضحًا أن هذا النهج لم يعد كافيًا في الوقت الحالي، لأن فلسفة الحماية الحديثة يجب أن تستند إلى منظومة متكاملة لا تقتصر على المعرفة وحدها.
وأشار إلى أن هناك فرقًا واضحًا بين مفهوم التوعية ومفهوم الوقاية والحماية، لافتًا إلى أن الوقاية مفهوم أشمل وأعمق، إذ لا يقتصر على نقل المعلومات أو المعرفة (Knowledge) فقط، وإنما يرتبط بشكل أساسي بتنمية المهارات الحياتية (Life Skills)، ومهارات التماسك النفسي الداخلي (Resilience Skills)، بما يساعد الأفراد على مواجهة الضغوط والتحديات بشكل أكثر فاعلية.
وأوضح أن عناصر الوقاية تشمل مجموعة من الأنشطة المهمة، على رأسها ممارسة الرياضة باعتبارها عنصرًا أساسيًا في بناء الصحة النفسية والجسدية، إلى جانب ممارسة الفنون المختلفة، وكذلك العمل التطوعي الذي يُعد من أهم أدوات بناء الشخصية وتعزيز التماسك النفسي والاجتماعي.
ولفت إلى أنه شارك خلال الأسبوع في مناقشة رسالة دكتوراه تناولت أثر بيوت التطوع على شخصية المتطوعين، مؤكدًا أن هذه التجربة أكدت أهمية تحويل العمل التطوعي إلى ممارسة قائمة على الأدلة (Evidence-Based Practice)، بحيث يتم تقييم أثره بشكل علمي على بناء الشخصية وتنمية المهارات.
وأكد أن نظم الحماية الحديثة لم تعد تعتمد على التوعية فقط، بل تعتمد على الممارسة الفعلية وتنمية مهارات الصمود النفسي، موضحًا أن المبادرات الوقائية الناجحة هي التي تدمج بين المعرفة والتطبيق العملي والمهارات السلوكية.
وأشار إلى أن فلسفة المبادرات الحديثة، ومنها المبادرة المشتركة «شمس»، والتي يتم تنفيذها بالتعاون مع الأمانة العامة للصحة النفسية، تقوم على مفهوم أوسع من مجرد التوعية، حيث تركز على بناء منظومة متكاملة للوقاية من المخدرات، تشمل الرياضة والفنون والتثقيف السلوكي، وليس مجرد رفع الوعي النظري فقط.
وأوضح أن مصر كانت من أوائل الدول التي أعلنت مشاركتها في هذه المبادرة، لافتًا إلى أن هذا التوجه يعكس تحولًا مهمًا في مفهوم الوقاية من الإدمان، من التركيز على المعرفة إلى بناء بيئة داعمة ومتكاملة.
وأضاف أن هذا المفهوم لا يقتصر فقط على الوقاية، بل يمتد أيضًا إلى مرحلة التعافي، حيث يتم التركيز على الدمج المجتمعي للمتعافين من الإدمان، ليس فقط من خلال الدعم النفسي والاجتماعي، ولكن أيضًا من خلال تحسين جودة حياتهم بشكل شامل.
وأكد أن الرياضة أصبحت عنصرًا أساسيًا داخل مراكز العلاج، حيث يتم توفير أنشطة رياضية متكاملة للمتعافين، إلى جانب أنشطة فنية ومجتمعية، وصولًا إلى وجود مساحات للإبداع مثل المسرح الذي يشارك في تقديمه المتعافون أنفسهم.
وأشار إلى أن المعارض والأنشطة الإنتاجية التي يشارك فيها المتعافون، وخاصة المتعافيات، تمثل تجربة رائدة تعكس نجاح برامج الدمج المجتمعي، وتسهم في تعزيز عوامل الحماية وإعادة بناء الثقة بالنفس لديهم.
وأكد أن أحد أهم مبادئ التخطيط الفعّال هو ضرورة إشراك الفئات المستهدفة في عملية صياغة السياسات واتخاذ القرار، مشيرًا إلى أن الاستعانة برأي الشباب لا يجب أن تقتصر على مرحلة التنفيذ فقط، وإنما تمتد أيضًا إلى مرحلة التخطيط ورسم السياسات.
وأوضح أن إشراك الشباب في التخطيط يسهم في تطوير السياسات بشكل كبير، لأنه ينقلها من الإطار النظري إلى واقع عملي أقرب لاحتياجاتهم وتوجهاتهم، ويجعلها أكثر واقعية وارتباطًا بالمجتمع المستهدف.
وأشار إلى أن الاعتماد على آراء الفئات المستهدفة يساعد في الخروج من القوالب النظرية التقليدية إلى ممارسات تطبيقية أكثر فاعلية، تعكس الاتجاهات الحقيقية للشباب واحتياجاتهم الفعلية.
وأضاف أن المنهجية (Methodology) في العمل هي عنصر أساسي لتحويل المفاهيم النظرية إلى تطبيقات عملية على أرض الواقع، بما يضمن فعالية البرامج والسياسات وتحقيق نتائج ملموسة.
واختتم بالتأكيد على أن منظومة الوقاية والحماية لا تقوم فقط على الجوانب المعرفية، وإنما تمثل إطارًا متكاملًا يتوافق مع معايير الأمم المتحدة في مجال الوقاية وتعزيز الصحة النفسية، ويهدف إلى بناء مجتمع أكثر وعيًا وتماسكًا وقدرة على مواجهة المخاطر السلوكية والصحية.
كما شدد على أهمية التكامل بين مختلف الجهات الحكومية والمجتمع المدني والإعلام، من أجل دعم مبادرة «صحتك سعادة»، وتعزيز خدمات الصحة النفسية وعلاج الإدمان، وتوسيع نطاق الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا، بما يتماشى مع توجهات الدولة نحو بناء مجتمع أكثر وعيًا وصحة واستقرارًا نفسيًا وسلوكيًا.


