بمجرد أن هلَّ ليل آخر أيام شعبان، بدأ الموسم الدرامي لشهر رمضان، وانطلقت القنوات الفضائية في مباراة فنية، وتبارت في عرض المسلسلات الدرامية التي أصبحت ضيفًا أساسيًا في أيام الشهر الكريم، وبالرغم من أن الحلقات الأولى لهذه المسلسلات كشفت اختلافًا في القصص وفي البناء الدرامي لهذه الأعمال الرمضانية، فإن هناك قاسمًا مشتركًا في أكثر من عمل درامي، وهو أن يمر البطل على السجن، فقد طغت الزنازين على دراما رمضان هذا العام، وسيطرت فكرة البطل المظلوم على أحداث كثيرة من المسلسلات.
مصطفى شعبان في ثوبه الجديد في مسلسل “أيوب”، لم تمر حلقته الأولى إلا وقد ارتدى “البدلة الزرقاء”، حيث يدخل الشاب المكافح أيوب السجن لعدم قدرته على سداد شيكات وإيصالات أمانة وقع عليها لشراء مستلزمات شقيقته، ويدخل ياسر جلال أو رجل الأعمال رحيم السيوفي السجن لمدة 7 سنوات في أحداث الحلقة الأولى من “رحيم”، ولم يسلم حمادة هلال من دائرة الحبس، فيقبض عليه ظلمًا هو الآخر في مسلسله “قانون عمر” وهو معرض لدخول السجن.
أما مسلسل “فوق السحاب” الذي يقوم ببطولته الفنان هاني سلامة، فقد شهدت أولى حلقاته وجود هاني داخل أو ماندو في أحد السجون في موسكو، وزينة تم القبض عليها في أولى حلقات مسلسلها “ممنوع الاقتراب أو التصوير” على هامش التحقيق في جريمة قتل زوجها وصديقتها.
سحر السجون
وعن سحر السجون وسر تفضيل صناع الدراما لمشاهد الزنازين، أكد طارق الشناوي، الناقد الفني، أنها أحد عوامل الجذب عمومًا سواء في السينما أو في التليفزيون، فالسجون تعني جريمة وتشويق وحكاية ساخنة يحب الجمهور متابعتها، وتعني أيضًا وجود شرطة ومجرم وعصابة، وهي من وجهة نظره نقاط انطلاق قوية جدًا وجذابة تدفع الجمهور للانحياز للأعمال الدرامية ومن ثم متابعتها، ويشير إلى أن السجن يُعد أحد المشاهد الشهيرة عمومًا في الدراما المصرية ونوع من أنواع “الكليشيهات”، خاصة في الأفلام الكوميدية، فأغلب نجوم الكوميديا يدخل السجن لأنها مصدر لكثير من “الضحك”، فإن كان البطل من أسرة ثرية فإنه سيضطر للنوم على الأرض والجلوس “البورش” وهذا بطبيعة الحال سيستدعي كثيرا من المواقف الكوميدية.
وأكد الشناوي أنه يجب على الأعمال الدرامية التي بدأت من السجن كنقطة انطلاق أن تكون على قدر المسئولية، وألا تستهدف فقط البحث عن “لوكيشن” جاذب بقدر ما يكون بذهن صناعها استثمار هذا العنصر الجاذب في الدراما من أجل تقديم عمل قوي.
موضة درامية
ومن جانبه، أكد محمود عبد الشكور، الناقد الفني، أننا في مصر لا نمتلك دراما أصيلة بل عادة ما يتبع كثير من صناع الدراما “الموضة”، فعلى سبيل حينما يحقق مسلسلًا ما تدور أحداثه في السجن نجاحًا نجد أن كثيرًا من المسلسلات من بعده تدور أحداثها في السجون، وأضاف قائلًا: “كله بيقلد وبيقول نجرب ولا يوجد تأليف أصيل ودراما أصلية زي ما كان عندنا أيام الكتاب الكبار أسامة أنور عكاشة ومحسن زايد وصالح مرسي”، وأكد أن هذا الأمر أصبح ينطبق أيضًا على السينما.
وأشار إلى أن اتباع الموضة نابع من تراجع دور الكاتب والمؤلف على حساب تعاظم دور المنتج، فهو سيد العمل والذي يرتبط بسيد آخر وهو المعلن، والذي يؤثر على العمل الفني، فضلًا عن بروز ظاهرة النجم، وأضاف أنه بالرغم من أن ظاهرة النجم كانت موجودة في الماضي، ولكن كان هناك اهتمام بالسيناريو، ففاتن حمامة تمت مهاجمتها وهي قامة كبيرة حينما قدمت نصوصًا ضعيفة، فالأصل في العمل الدرامي هو الكتابة والسيناريو، وحاليًا لم يعد هناك خيال وجهد، فمعظم القائمين على الدراما يريدون اللحاق بالموسم، لذا فإن الاعتماد على مشاهد الزنازين والسجون بصورة لافتة ما هو إلا عرض وأصل المرض يكمن في الاختلال في العملية الإنتاجية.
تيمة الانتقام
أما السيناريست أحمد محمود أبو زيد، فيؤكد أن الانتقام “تيمة” معروفة في الدراما، وتتسم بالجماهيرية، وهي تبدو واضحة في القصة الفرنسية “الكونت دى مونت كريستو” للكاتب العالمي ألكسندر ديماس، والتي اقتبست منها قصص كثير من الأفلام مثل أمير الظلام، وأمير الانتقام، وأمير الدهاء ودائرة الانتقام، وهي تدور حول البطل الذي يدخل السجن ويتعرض للظلم فيخرج لكي ينتقم، وأشار إلى أن اعتماد كثير من كتاب الأعمال الدرامية التي تُعرض حاليًا في الموسم الرمضاني على هذه التيمة والتي يُعد السجن أبرز عناصرها مجرد “صدفة”، فليس من المنطقي أن يكون هناك تعمد في هذا التشابه، خاصة أن كل كاتب يبحث في أعماله على عنصر التفرد بقصته.
واستبعد “أبو زيد” أن يكون هذا التشابه في التيمة نابع من فكرة التقليد، مؤكدًا أن مصر تمتلك عددًا كبيرًا من الكتاب المحترفين، ولكنه أرجع هذا التشابه إلى ظروف السوق وطبيعته، فكثير من كتاب المسلسلات الرمضانية بدأ عملهم في شهر ديسمبر ويناير وهذا يعتبر موعدًا متأخرًا عن الموعد الطبيعي الذي عادة ما كان يبدأ في أغسطس أو سبتمبر بسبب التغيرات في خريطة القنوات الفضائية وصناعة الدراما بصفة عامة، لذا فإنهم بحثوا عن تيمة مضمونة تجعلهم ينتهون سريعًا من أعمالهم في ظل الوقت الضيق المتاح أمامهم بغض النظر إذا ما سيتشابه هذا العمل مع غيره أو لا، وفي الوقت ذاته أردوا ضمان أن تكون الأحداث ساخنة وأن تكون الحدوتة جماهيرية “تخطف” المشاهد، وأن يحظى البطل بتعاطف الجمهور من أول حلقة وبالتالي يضمنون متابعة الجمهور للعمل، وقصة تعرض البطل للظلم ودخوله السجن وخروجه للانتقام هي من أكثر القصص المثالية التي يتحقق فيها كل ما سبق، بالإضافة إلى أنها ستضمن انتظار المشاهد لمصير البطل وما سيقوم بفعله للانتقام من ظلموه وبالتالي استمرار المتابعة.
وأكد “أبو زيد” أن التفاصيل هي التي ستميز الأعمال الدرامية التي تتشابه في “التيمة”، وهذا سيبدو جليًا مع توالى حلقات المسلسلات، مشيرًا إلى أن صناع الدراما هذا العام ممن اختاروا تيمة الانتقام قد وضعهم القدر في “امتحان صعب”؛ لأنهم في وضع كأنهم يكتبون جميعهم السطر ذاته، وعلى كل منهم كتابة هذا السطر بصورة مميزة بتفاصيل جديدة جاذبة تخلب لب الجمهور حتى آخر لقطة.
نبض مصر الحرة نبض الشارع لحظة بلحظة