«مستقبل مصر» يعيد رسم خريطة التنمية.. من استصلاح الأراضي إلى بناء اقتصاد إنتاجي متكامل
متابعة – ندا حامد
أعاد جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة صياغة مفهوم الاستثمار في القطاع الزراعي، بعدما نجح في بناء منظومة متكاملة لا تقتصر على زيادة الإنتاج الزراعي، بل تمتد إلى التصنيع الغذائي والخدمات اللوجستية والتجارة والتوزيع، في نموذج يستهدف تعظيم القيمة المضافة للمحاصيل الزراعية، وزيادة مساهمة الصناعات الغذائية في الاقتصاد الوطني، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق المحلية والعالمية.
ويأتي هذا التوجه بالتوازي مع التوسع الكبير في مشروعات الاستصلاح والإنتاج الزراعي، والتي فرضت ضرورة الانتقال إلى مرحلة تعتمد على تحويل المحاصيل إلى منتجات صناعية، وربط مناطق الإنتاج بالمصانع ومراكز التداول ومنافذ التوزيع، بما يضمن الاستفادة القصوى من الموارد، وتقليل الفاقد، وتحقيق أعلى عائد اقتصادي من كل فدان تتم زراعته.
وتبنى الجهاز استراتيجية تقوم على بناء سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ من الأرض، مرورًا بمراحل التصنيع والتعبئة والخدمات اللوجستية، وصولًا إلى المستهلك والأسواق التصديرية، لتتحول الزراعة من نشاط إنتاجي إلى قاعدة صناعية وتجارية متكاملة تدعم النمو الاقتصادي وتفتح آفاقًا جديدة للاستثمار.
وانطلقت رحلة الجهاز من تنفيذ مشروع استراتيجي لاستصلاح واستزراع 4.5 مليون فدان، باعتباره أكبر مشروع للتوسع الزراعي في تاريخ الدولة المصرية، بهدف زيادة الرقعة الزراعية وتعزيز إنتاج المحاصيل الاستراتيجية وإنشاء مجتمعات إنتاجية جديدة تعتمد على أحدث نظم الزراعة والري والبنية الأساسية.
وخلال سنوات قليلة، نجح الجهاز في استصلاح ما يقرب من 80% من المساحة المستهدفة، من خلال مشروعات كبرى في الدلتا الجديدة، وشرق العوينات، وسنابل سونو، وسيناء، والمنيا – بني سويف، والسادات، واللاهون، والنوبارية، لتتحول مساحات واسعة من الأراضي الصحراوية إلى مناطق إنتاج حديثة تعتمد على التكنولوجيا والميكنة الزراعية، وتمثل قاعدة جديدة للتوسع في النشاط الزراعي والصناعي والاستثماري.
ولم تعتمد هذه المشروعات على استصلاح الأراضي فقط، بل شملت إنشاء بنية أساسية متكاملة تضم شبكات الري الحديثة ومحطات الرفع والطرق وشبكات الكهرباء ومحطات الطاقة والخدمات اللوجستية، بما وفر بيئة متكاملة للإنتاج وفتح المجال أمام استثمارات جديدة في مختلف الأنشطة المرتبطة بالقطاع الزراعي.
كما أسهمت هذه المشروعات في زيادة إنتاج المحاصيل الاستراتيجية، وفي مقدمتها القمح، حيث سجلت منظومة توريد القمح المحلي رقمًا قياسيًا بلغ نحو خمسة ملايين طن، في أعلى معدل توريد تشهده مصر، بما يعكس الزيادة الكبيرة في الإنتاج المحلي ويدعم جهود الدولة في تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز الاكتفاء الذاتي.
وفي الوقت نفسه، أصبح بنجر السكر أحد أهم المحاصيل الاستراتيجية داخل مشروعات الجهاز، بعدما أسهم التوسع في زراعته داخل الدلتا الجديدة ومناطق الاستصلاح الجديدة في توفير احتياجات مصانع السكر، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من بنجر السكر، بما يدعم استقرار السوق المحلية ويخفض فاتورة الاستيراد.
وامتد أثر هذا التوسع إلى الأسواق الخارجية، حيث حققت الصادرات الزراعية المصرية لأول مرة في تاريخها حاجز عشرة ملايين طن، بزيادة تقترب من 300% مقارنة بعام 2014، وهو ما يعكس نجاح استراتيجية الدولة في التوسع الزراعي وزيادة تنافسية المنتجات المصرية وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات.
ولعب القطاع الخاص دورًا رئيسيًا في هذه المنظومة، إذ تعمل أكثر من 150 شركة داخل مشروعات الدلتا الجديدة في مجالات الزراعة والميكنة ومستلزمات الإنتاج، بما يعكس نجاح نموذج الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص في دعم التنمية الزراعية وزيادة الإنتاج وتعزيز فرص الاستثمار.
ومع التوسع الكبير في الإنتاج، اتجه الجهاز إلى تطوير منظومة التخزين باعتبارها أحد أهم مكونات سلسلة القيمة، فأنشأ أكبر مجمع للصوامع في الشرق الأوسط داخل مشروع الدلتا الجديدة، إلى جانب شبكة من المخازن الاستراتيجية وثلاجات التبريد، لترتفع الطاقة التخزينية إلى نحو 600 ألف طن، بما يعزز قدرة الدولة على إدارة مخزونها الاستراتيجي، ورفع كفاءة تداول الحبوب، وتقليل الفاقد، وضمان استقرار الإمدادات الغذائية.
ولم يقتصر دور هذه المنظومة على التخزين، بل أصبحت عنصرًا رئيسيًا في إدارة الأسواق من خلال الحفاظ على جودة المحاصيل، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد، وربط مناطق الإنتاج بمراحل التصنيع والتوزيع، بما يعظم القيمة الاقتصادية للإنتاج الزراعي.
وفي إطار تعظيم القيمة المضافة للإنتاج الزراعي، أنشأ الجهاز مدينة مستقبل مصر الصناعية، التي تضم مجمعًا متكاملًا للصناعات الغذائية يعتمد بصورة رئيسية على المحاصيل المنتجة داخل مشروعات الجهاز، بما يحقق التكامل بين الزراعة والصناعة ويزيد من القيمة المضافة للمنتج المصري.
وتضم المدينة مصانع متخصصة في إنتاج النشا والجلوكوز، والعصائر، والخضروات والفاكهة المجمدة، والمركزات، والمربات، والأعلاف، والزيوت، ومنتجات التعبئة والتغليف، بما يتيح الاستفادة من الإنتاج الزراعي طوال العام، وتقليل الفاقد، وتحويل المواد الخام إلى منتجات نهائية ذات قيمة اقتصادية أعلى.
وتبلغ الطاقة التصنيعية للمدينة نحو 3.4 مليون طن من الخامات الزراعية سنويًا، تنتج ما يقرب من 1.7 مليون طن من المنتجات النهائية، بما يسهم في تلبية احتياجات السوق المحلية، ودعم الصادرات، وزيادة مساهمة الصناعات الغذائية في الناتج المحلي.
كما شملت جهود التطوير إعادة إحياء مجمع قها وإدفينا، أحد أهم الأصول التاريخية للصناعات الغذائية في مصر، والذي يعمل ضمن منظومة الجهاز بطاقة إنتاجية تبلغ نحو 475 ألف طن من الخامات الزراعية سنويًا، لإنتاج ما يقرب من 513 ألف طن من المنتجات النهائية تشمل العصائر، والمربات، والخضروات والفاكهة المجمدة، والألبان ومشتقاتها، والزيوت، والبصل والثوم المجفف، إلى جانب أنشطة التعبئة والتغليف، بما يعزز القيمة المضافة للإنتاج الزراعي ويدعم تنافسية المنتجات المصرية في الأسواق المحلية والخارجية.
واعتمد الجهاز في هذا المسار على شراكات مع شركات وطنية وعالمية في مجالات التصنيع الغذائي وإدارة سلاسل الإمداد والتعبئة والتغليف، بهدف نقل التكنولوجيا وتحسين جودة المنتجات وزيادة القدرة التنافسية للصناعة المصرية وفتح أسواق تصديرية جديدة، في إطار تعزيز مشاركة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي.
ومع زيادة الإنتاج واتساع قاعدة التصنيع، أنشأ الجهاز مركز سفنكس لتداول المحاصيل، الذي يعد أكبر مركز متكامل لتداول وتخزين المحاصيل والسلع الزراعية في الشرق الأوسط، والمقام على مساحة تقارب 500 فدان، بطاقة تداول وتخزين تصل إلى 20 مليون طن سنويًا.
ويضم المركز منظومة متكاملة تشمل البورصة السلعية، ومناطق الفرز والتدريج، ومحطات التعبئة والتغليف، ومخازن وثلاجات التبريد، إلى جانب مركز المال والأعمال، بما يجعله منصة متكاملة لإدارة التجارة الزراعية وتنظيم عمليات التداول وربط المنتجين بالمصنعين والمصدرين.
ومن المتوقع أن يسهم المركز في خفض تكاليف النقل والتداول، وتقليل حلقات الوساطة، وتحقيق شفافية أكبر في تسعير السلع، وزيادة كفاءة سلاسل الإمداد، بما يعزز القدرة التنافسية للمنتجات المصرية في الأسواق العالمية.
ويمثل إنشاء البورصة السلعية داخل مركز سفنكس أحد أهم مكونات منظومة التجارة الحديثة، حيث تسهم في تنظيم عمليات تداول المحاصيل وفق آليات واضحة تقوم على العرض والطلب، بما يعزز الشفافية ويحقق عدالة التسعير ويوفر مرجعًا سعريًا يساعد المنتجين والمستثمرين على اتخاذ قراراتهم بكفاءة.
واستكمالًا لسلسلة القيمة، طور الجهاز منظومة توزيع حديثة تضمن وصول المنتجات إلى الأسواق بكفاءة، من خلال شبكة تضم نحو 1500 منفذ “سوبر توفير” منتشرة في مختلف المحافظات، لتصبح إحدى أكبر شبكات توزيع السلع الغذائية في مصر.
وتعمل هذه المنافذ على توفير السلع الأساسية والمنتجات الغذائية بصورة منتظمة، مع تقليل حلقات التداول بين المنتج والمستهلك، بما يسهم في زيادة المعروض، ودعم استقرار الأسواق، وتعزيز الأمن الغذائي.
وبذلك تكتمل منظومة التنمية التي يتبناها جهاز مستقبل مصر، حيث تبدأ رحلة المنتج من الأرض، ثم تمر بالإنتاج، والتخزين، والتصنيع، والخدمات اللوجستية، والتجارة، وصولًا إلى المستهلك، في نموذج اقتصادي متكامل يستهدف تعظيم القيمة المضافة، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد، وتعزيز تنافسية الاقتصاد المصري.














