ثورة تشريعية وحوكمة دولية .. الملامح الكاملة لقانون جهاز “مستقبل مصر” الجديد
متابعة – ندا حامد
شهدت المنظومة التشريعية والاقتصادية في مصر محطة تحول تاريخية كبرى، تماشياً مع توجهات القيادة السياسية نحو ترسيخ مفهوم دولة المؤسسات والحوكمة الرشيدة، وذلك بصدور ملامح مشروع القانون الجديد لإعادة تنظيم “جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة”، والذي ينقل الجهاز من مظلة قرار التأسيس الجمهوري رقم 591 لسنة 2022 إلى إطار قانوني مدني مستقل وموحد، يؤسس لمرحلة غير مسبوقة من الانفتاح الاستثماري، ويفصل الملكية عن الإدارة، ويعزز التنافسية العادلة بما يتوافق تماماً مع مستهدفات صندوق النقد الدولي والمؤسسات المالية العالمية لضمان الاستقرار المالي والنقدي؛ حيث يأتي هذا المشروع بعد نحو أربع سنوات من تأسيس الجهاز، شهدت طفرة متسارعة وتوسعاً أفقياً وعمودياً في حجم المسؤوليات والقطاعات، مما جعل من الضروري صياغة مرجعية تشريعية واحدة تجمع بين الأبعاد التنفيذية والاستثمارية والإدارية، وتزيل كافة العوائق البيروقراطية أمام رؤوس الأموال المحلية والأجنبية على حد سواء، مؤكدةً أن الجهاز في ثوبه المدني الجديد لا يعد كياناً مستحدثاً بل إعادة هيكلة جذرية شاملة للأصول والأنشطة القائمة لتعظيم قيمتها المضافة وقدرتها على قيادة التنمية بمفاهيم السوق الحرة والآليات الاقتصادية الحديثة.
وقد عكس مشروع القانون التحول الجوهري في فلسفة عمل الجهاز، الذي انتقل من مرحلة تنفيذ وإدارة مشروعات الاستصلاح الزراعي المنفردة، إلى قيادة وإدارة منظومات تنموية وإنتاجية متكاملة تترابط فيها حلقات “سلسلة القيمة الشاملة” بالكامل، تبدأ من تجهيز الأراضي والإنتاج الزراعي، وتمتد إلى التصنيع الغذائي المتطور، والثروة الحيوانية والداجنة والسمكية، والتعبئة والتخزين، والخدمات اللوجستية، وتجارة المحاصيل والتصدير، وصولاً إلى قطاعات استراتيجية واعدة تشمل التعدين، والطاقة، والتحول الرقمي، والتنمية العمرانية، وإدارة الأصول بكفاءة اقتصادية تماثل القطاع الخاص؛ حيث يضمن هذا النموذج المؤسسي المرن بناء اقتصاد وطني صلب وقادر على امتصاص الصدمات الاقتصادية العالمية، كما يوفر بيئة استثمارية موثوقة تسمح بإبرام شراكات استراتيجية مع كبرى الشركات العالمية، مدفوعةً بحزمة من الأدوات التشريعية المتطورة التي استحدثها القانون وفي مقدمتها الصندوق السيادي الجديد الذي يحمل اسم “أهرامات النيل”، والذي يتبع الجهاز ويتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الفني والمالي والإداري التام، ليكون الذراع الاستثمارية الأقوى لتحويل الأصول غير المستغلة إلى فرص استثمارية جاذبة، بجانب إنشاء صندوق خدمي متخصص لتقديم الخدمات المرتبطة بأنشطة الجهاز، وتنظيم القواعد القانونية لتأسيس الشركات التابعة أو المساهمة في كيانات قائمة، بالإضافة إلى تقنين عمل مكاتب الاعتماد والوحدات واللجان الفنية المتخصصة.
وفي سبيل إرساء قواعد الشفافية المطلقة وطمأنة المجتمع الاستثماري الدولي، أفرد مشروع القانون مساحات واسعة لتنظيم البناء الإداري والهيكل المؤسسي للجهاز عبر مستويات حوكمة صارمة تفصل بوضوح بين رسم السياسات العامة واعتماد الخطط الكبرى المنوطة بمجلس الإدارة، وبين المهام التشغيلية والتنفيذية الميدانية التي تباشرها القطاعات الفنية، بالتوازي مع تخصيص باب كامل للأحكام المالية والرقابية يضبط بدقة قواعد إعداد الموازنات وحسابات الإنفاق وتحديد مصادر التمويل، مع إرساء آليات صارمة للرقابة الداخلية والمتابعة المالية والإدارية؛ وهو الأمر الذي يمثل تطبيقاً عملياً لتوصيات مؤسسات التمويل الدولية الرامية لتخفيف العبء عن موازنة الدولة العامة عبر الاعتماد على التمويل الذاتي والشراكات الاستثمارية وتوسيع مشاركة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، ليؤكد الوضوح التشريعي والتوحيد الإجرائي في هذا القانون الجديد على اختصار زمن وإجراءات الاستثمار وتهيئة بيئة أعمال جاذبة ومستقرة، تضع جهاز مستقبل مصر في ثوبه المدني كقاطرة وطنية حقيقية لتعظيم الاستثمار، وتحقيق الاكتفاء الذاتي من السلع الاستراتيجية، وصياغة مستقبل التنمية المستدامة والاقتصاد الحر في مصر.


